الأسد وابن آوى والحمار

   جاع الأسد يومًا فخرج من عرينه وطاف في الغابات مفتّشًا عن فريسة يسدّ بها جوعه، فصادف ثعلبًا في أجمة وحاول افتراسه، فنظر إليه الثعلب نظرة المراوغ وخاطبه قائلًا: يا ملك الوحوش! يا ذا الصولة والسلطان! إنّ ابن آوى من حاشية بلاطك يسديك النصح النافع وهو حيوان صغير هزيل لا يشبعك ولا يملأ جوفك الساغب. أرجو عفوك يا مليكي! ابقني في عداد الأحياء وإنّي أقسم لك بالشرف والصدق أن آتيك بفريسةٍ تقريك أسبوعًا وتزيل عنك ألم الجوع الكافر، على شريطة أن تأذن لي بالانصراف من هذا المكان إلى مكان آخر ليس نائيًا، فأعود إليك بعد ساعة.

   فتأثّر الأسد من كلام ابن آوى الأخّاذ وصدّقه، وبصبص بذنبه الذي يكنس الأرض فرحًا وغبطة، وأذن لابن آوى أن ينطلق ويقوم بالوظيفة التي عمل ميثاقًا على نفسه أن يتمّها.

   فجرى الحيوان المحتال ينهب الأرض نهبًا، يعدو عدو الغزال حتّى وصل إلى بيدر فيه حيوان أسود ذو أذنين طويلتين كجريد النخيل وأخذ يدور حوله ويقفز ويعوي ويتفنّن في حركات رأسه وذنبه. فرفع الحمار البليد رأسه والتفت إلى ابن آوى وخاطبه بلسان الحمير الفصيح وقال: أراك جذلان طروبًا يا وزير الحيوانات كأنّك في عيد حيوانيّ عامّ.

   فقال الوزير ابن آوى يا سيّدي يا صديقي: لقد حقّ لي أن أطرب وأعلمك سبب ابتهاجي. إنّ تجار الشعير قد أقاموني وكيلًا على حواصلهم المملوءة في هذا النهار، وقد أتيت الآن لأبلّغك هذا الخبر السارّ.

   وحينئذ انتصبت أذنا الحمار العريضتان وابتدأ الحيوان الأبله ينهق وأبطرته رائحة الشعير الوهميّة وأخذ يمرح ذهابًا وإيابًا وينطّ ويجمز1 ويقفز ويلبط حتّى كاد الشرر يتطاير من حوافره المنعّلة، ثمّ اقترب من الثعلب وقال له:

- أيّها الصديق أعهد فيك الكرم والمحبّة، وقد زرتني في بيدري والواجب يقضي عليّ الآن أن أزورك في دارك.

   فطار قلب ابن آوى فرحًا لنجاح حيلته ولكنّه خبّأ ما بين طيّات أضالعه لكي لا ينفر الحمار ويدخل إلى رأسه الكبير وسواس الخوف، ولم يأذن له بالزيارة للطلب الأوّل، وبعد الإلحاح والتضرّع قنع الثعلب من منطق الحمار وسارا معًا بخطى الأرنب الهارب من بندقيّة الصيّاد، حتّى وصلا إلى أجمة وعرة ضليلة الأشجار موحشة، وتوغلا في شعابها ومنعطفاتها، ومازال الثعلب يجري والحمار يركض وراءه دون أن يشعر بتعب حتّى بلغا مغارة، فصاح الحمار صياح الفرح وقال:

- ها قد وصلنا إلى حاصلٍ من حواصل الشعير الطيّب، وأخذ يفتح شدقيه ويتلمّظ ثم يحرق2 أسنانه.

   ولم يكد الحيوانان يأخذان قسطهما من الراحة حتّى جاء الأسد يتبختر ويزمجر زمجرة الظفر، فاقترب منه ابن آوى وهمس في أذنه وقال: يا مليكي انظر، هذه هي الفريسة التي وعدتك بها، وها هي عاقبة نصيحتي الحكيمة. كُل الآن واشبع واهنأ. إنّ النصر للصابرين.

   فشكر الأسد رسوله الحاذق الأمين. واتى إلى الحمار الباهت الذاهل المتعجّب من وشوشة ابن آوى ومن تلك المصادفة المشؤومة. وقال له: مثلك يُغني من جوع. أنت أثمن لي من كلّ حواصل الشعير. ثمّ وثب إليه وأنشب في رقبته الطويلة أنيابه القاطعة وبراثينه المسنونة. وأكل من لحمه حتّى شبع وشرب من دمه حتّى ارتوى، والثعلب ينظر نظرة الناجي من مخالب الموت الأحمر.

   نظر الأسد إلى ابن آوى وأراد أن يكافئه وقال له: مرّن أنيابك بعظام هذا الحمار.

   فشكر المدعوّ للأسد كرمه، واقترب من الرأس وأخذ يدقّ عظمه وينهش لحمه.

   فحسده ربّ الفريسة وقال له: إيّاك أن تقرب من الدماغ.

   فأجاب ابن آوى بقوله: يا ملك سباع الغابات أطال الله عمرك وأبعد عنك المكاره. لا تخف، أنا لا أقترب إلّا من فضلاتك وهذا الرأس الكبير هو رأس فارغ؛ لو كان يحوي شيئًا من الدماغ لما وسعك أن تشبع الآن كرشك الغرثان3.

  عجب الأسد من جواب ابن آوى وانصرف وهو يقول في نفسه: ما تدركه الحيلة لا تدركه القوّة.

                                       يوسف س. نويهض    

 

1 : جمز: وثب.

2 : الحرق: صوت حك الأنياب.

3 : غرث: جاع.